هذه مقطوعة قصيرة منسوبة إلى المتنبي، قيلت في سياق حبسه في موضع يقال له كوتكين. وفي خبرها أن رجلًا ادّعى أنه من آل هاشم بن عبد مناف، وكان قد قيّد المتنبي بقيود من خشب الصفصاف، فجاء ردّ المتنبي ساخرًا جارحًا، لا على طريقة الهجاء الطويل، بل بضربة شعرية مختصرة.
يقول المتنبي: زعم المقيم بكوتكين بأنه من آل هاشم بن عبد مناف. والمعنى أن هذا الرجل يدّعي لنفسه نسبًا شريفًا عظيمًا، فهو ينتسب إلى بيت هاشم، وهو بيت له مكانة عالية في العرب. لكن المتنبي لا يقبل هذا الادعاء؛ لأنه يرى أن فعله لا يشبه أخلاق أهل الشرف.
ثم يأتي الجواب الساخر: فأجبته مذ صرت من أبنائهم صارت قيودهم من الصفصاف. أي منذ صرت أنت من آل هاشم، صارت قيودهم من خشب الصفصاف. والمراد أن المتنبي يطعن في نسبه بطريق غير مباشر؛ فهو لا يقول له صراحة: لست منهم، بل يقول إن دخولك فيهم جعل شرفهم ينقلب إلى صورة مهينة، حتى صارت قيودهم خشبًا رخيصًا.
قوة البيتين في المفارقة بين النسب والفعل. الرجل يرفع نفسه بالانتماء إلى آل هاشم، والمتنبي يسقط هذا الادعاء من خلال تصرفه؛ فالشرف عنده لا يثبت بالدعوى، بل بالمروءة. فإذا كان المدّعي يقيّد الناس بصفصاف، فليس فعله من أخلاق البيت الذي ينتسب إليه.
الخلاصة أن المقطوعة هجاء ساخر شديد التركيز. المتنبي لم يحتج إلى سبّ مباشر، بل جعل التناقض بين النسب المزعوم والقيد الخشبي كافيًا لإسقاط خصمه. وهذا من ذكاء هجائه: يطعن في الرجل من موضع فخره، فيحوّل دعواه الشريفة إلى مادة للسخرية.
المصادر:
ديوان المتنبي
معجز أحمد لأبي العلاء المعري
الصبح المنبي عن حيثية المتنبي
ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام
قصائد أخرى للشاعر
الخيل والليل والبيداءُ تعرفني
العصر العباسي
التصنيف عموديه
وَاحَـرّ قَلْبـاهُ مـمّنْ قَلْبُـهُ شَبِـمُ وَمَنْ بجِسْمـي وَحالي عِنـدَهُ سَقَـمُ ما لي أُكَتِّمُ حُبًّا قَدْ بَـرَى جَسَـدي وَتَدّعي حُبّ…