هذا البيت منسوب إلى عنترة بن شدّاد، ويدور حول مشهد خاطف من مشاهد القتال: عدوّ يفرّ من أمام الرماح، لكنه لا ينجو نجاة كاملة هادئة، بل يخرج من المعركة وقد لحقته آثار الدم والخوف. وقد ورد البيت في فهارس ديوان عنترة على بحر الكامل ورويّ الباء، كما أورده الجاحظ في تفسير لفظ الجأب ومعناه في الصورة الشعرية.
معنى قوله: فنجا أمام رماحنا أن الرجل أفلت من الطعن، وفرّ من وجه الرماح قبل أن تدركه. وليس المقصود نجاة شريفة، بل نجاة مذعورة قريبة من الهلاك؛ لأن الرماح كانت وراءه حتى كاد الموت يلحقه.
وقوله: فوت الأسنة معناه أنه صار فائتًا لأسنة الرماح، أي سبقها وانفلت منها. والأسنة هي رؤوس الرماح الحادة. فالصورة ترسم لحظة مطاردة عنيفة: الرمح قريب، والعدو يهرب، والفارق بين الحياة والموت لحظة واحدة.
أما قوله: حافر الجأب فالصورة أدق من ظاهرها. الجأب في هذا الموضع يُفسَّر بالمغرة، وهي طين أحمر يُصبغ به. فالشاعر يشبّه هذا الهارب، وقد علق به الدم، برجل يحفر في معدن المغرة فيخرج ملطخًا بالحمرة. لذلك فالبيت لا يصف الفرار فقط، بل هيئة الفارّ بعد القتال: مذعور، ملوث بالدم، كأنه خرج من حفرة حمراء.
قوة البيت في أنه لا يقول إن العدو هرب فقط، بل يجعلك ترى أثر المطاردة عليه. هو نجا بجسده، لكنه خرج بصورة مهزومة؛ فالدم على جسده شاهد أن الرماح لحقته أو قاربت أن تلحقه. وهذه طريقة عنترة في وصف القتال: لا يكتفي بالفعل، بل يعطيك أثره على الجسد والهيئة.
المصادر:
ديوان عنترة بن شداد، تحقيق محمد سعيد مولوي
الحيوان للجاحظ
لسان العرب لابن منظور
معجم ما استعجم للبكري