العودة إلى القصص

الرها… المدينة التي أفاقت عليها الحروب الصليبية

  • الفترة التاريخية سنة 539هـ / 1144م، عصر الدولة الزنكية
  • المكان الرها، الجزيرة الفراتية، أورفا اليوم في تركيا

مدينة صليبية ظن أهلها أن بعدها يحميها، فكان بعدها سبب سقوطها.

نص القصة

كانت الرها أول إمارة صليبية قامت في المشرق بعد الحملة الصليبية الأولى، وكانت بعيدة عن الساحل، في طرف الجزيرة، تستند إلى قلاعها وعلاقاتها وتاريخها القديم. لم تكن مدينة هامشية في حسابات ذلك العصر؛ فهي حلقة بين الشام والجزيرة والأناضول، ومن يملكها يستطيع أن يضغط على طرق واسعة بين القوى المتنازعة.

حين صعد عماد الدين زنكي في الموصل وحلب، كان يعرف أن الرها ليست مجرد مدينة نصرانية يحكمها الفرنج، بل رأس متقدم داخل بلاد المسلمين. لكن مهاجمتها لم تكن أمرًا سهلًا؛ فالفرنج خبروا الحصار، والمدينة محصنة، وأمراء المنطقة يتحركون بحسابات معقدة. انتظر زنكي الفرصة حتى خرج صاحب الرها جوسلين عنها، فوجد أن الباب السياسي قبل الباب العسكري قد انفتح.

نزل زنكي على الرها، وبدأ الحصار. كانت المدينة تواجه جيشًا يعرف قيمة الوقت. لا تكفي الشجاعة إذا تأخر المدد، ولا تكفي الأسوار إذا صار الخندق محاصرًا من كل جهة. ضغطت آلات الحصار، واشتد القتال، ثم نُقب السور وانهار موضع منه، فدخلت الجيوش. في أخبار ابن الأثير وغيره يظهر الحدث بوضوح: سقوط الرها كان ضربة كبيرة للفرنج، لا حادثة محلية عابرة.

كان سقوطها صدمة في الغرب اللاتيني، لأن الرها لم تكن حصنًا صغيرًا على الطريق، بل أول كيان صليبي نشأ في الشرق. حين وقعت، بدا أن التوسع الصليبي يمكن أن يُرد، وأن الإمارات التي ظنها أصحابها ثابتة ليست بمنأى عن الهجوم المنظم. ومن هذا الحدث خرجت لاحقًا دعوات الحملة الصليبية الثانية.

أما في المشرق، فقد رفع فتح الرها مكانة زنكي وغيّر ميزان الثقة. صارت المدينة دليلًا على أن العمل العسكري المتماسك، حين يلتقي بفرصة سياسية، يستطيع أن يفتح ما عجزت عنه الهجمات المتفرقة. دخلت الرها التاريخ في ذلك العام لا لأنها سقطت فقط، بل لأنها كشفت أن زمن الدفاع السلبي عن المدن قد انتهى، وأن الصراع على الشام والجزيرة دخل مرحلة جديدة.

المصادر:
الكامل في التاريخ لابن الأثير
ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي
زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم