العودة إلى القصص

المنصورة… حين وقع ملك فرنسا أسيرًا في دلتا النيل

  • الفترة التاريخية سنة 647–648هـ / 1249–1250م، أواخر العصر الأيوبي في مصر
  • المكان المنصورة، مصر

مدينة صغيرة في الدلتا صارت مسرحًا لهزيمة حملة كبرى.

نص القصة

بدأت الحملة الصليبية السابعة من البحر، لكنها اصطدمت في النهاية بماء النيل وطرق الدلتا. وصل لويس التاسع ملك فرنسا إلى مصر، واستولى على دمياط سنة 647هـ، وكان الهدف أن يتقدم في البلاد حتى يضغط على مركز الحكم المصري. بدا الأمر في البداية كأن الطريق مفتوح، لكن مصر لا تُقرأ من الساحل وحده.

تحرك الجيش الصليبي جنوبًا باتجاه المنصورة. كانت المدينة على فرع من فروع النيل، وموقعها جعلها عقدة مهمة في الطريق بين دمياط والقاهرة. هنا لم تعد الحملة تقاتل على شاطئ مفتوح، بل دخلت في أرض أنهار وقنوات وقرى وطرق محدودة. كل خطوة كانت تحتاج إلى معرفة بالمكان، وكل خطأ يتحول إلى فخ.

في المنصورة اشتد القتال. تذكر المصادر أن القوات الصليبية تقدمت، وأن بعض فرسانها دخلوا المدينة في لحظة اندفاع، لكن المدينة لم تسقط كما توقعوا. قاوم المصريون، وبرز دور المماليك في القتال، وتحولت الأزقة والمواضع الضيقة إلى ساحة مرهقة للفرسان القادمين من بعيد. لم يكن النصر نتيجة ضربة واحدة، بل نتيجة استنزاف وتضييق وانكسار تدريجي لقوة الحملة.

بعد معارك المنصورة بدأ الجيش الصليبي ينهك. المرض، نقص التموين، صعوبة الحركة، وضغط القوات المصرية جعلت الحملة تتراجع. ثم انتهى الأمر بأسر لويس التاسع في فارسكور، ونُقل إلى دار ابن لقمان في المنصورة. صار الملك الذي جاء غازيًا أسيرًا في المدينة التي ظن أن طريقه يمر من خلالها إلى قلب مصر.

لم تكن المنصورة عاصمة كبرى مثل القاهرة، لكنها في تلك اللحظة حملت معنى أكبر من حجمها. فقد تحولت إلى رمز لقدرة مصر على امتصاص الحملة ثم كسرها في أرضها. الحملة التي بدأت بسفن عظيمة وانتصار في دمياط انتهت بالمفاوضة والفداء والخروج من البلاد.

تُظهر قصة المنصورة أن المدن لا تقاس بحجمها فقط. أحيانًا يضع التاريخ مدينة متوسطة في موضع حاسم، فيصير اسمها علامة على نهاية حملة وولادة توازن جديد. ومنذ تلك الحادثة بقيت المنصورة مرتبطة في الذاكرة بأسر لويس التاسع وبالتحول الذي سبق قيام دولة المماليك مباشرة.

المصادر:
السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي
الكامل في التاريخ لابن الأثير