العودة إلى القصص

المهدية… مدينة البحر التي بناها الفاطميون للحذر والحكم

  • الفترة التاريخية 303–308هـ / 916–921م، القرن الرابع الهجري
  • المكان المهدية، تونس

عاصمة ساحلية وُضعت بين البحر والتحصين لتكون مأوى دولة ناشئة.

نص القصة

عندما قامت الدولة الفاطمية في إفريقية لم تكن القيروان كافية لحمايتها. كانت الدولة الجديدة تواجه خصومًا داخليين وخارجيين، وتحتاج إلى عاصمة لا تكون مفتوحة على البر وحده. لذلك اتجه عبيد الله المهدي إلى الساحل، واختار موضعًا بارزًا في البحر، يصلح للتحصين والمراقبة، ويمنح الدولة منفذًا بحريًا يصعب أخذه بغارة مفاجئة.

بدأ بناء المهدية في أوائل القرن الرابع الهجري، فجاءت مدينة مختلفة عن مدن الداخل. البحر يحمي جانبًا كبيرًا منها، والأسوار والأبواب تضبط الدخول من البر. كانت المدينة تحمل معنى الحذر بقدر ما تحمل معنى الحكم: قصر، جامع، مخازن، وميناء، وكل ذلك داخل موضع يستطيع الخليفة أن يلوذ به إذا اضطربت البلاد.

ومع الزمن ثبتت فائدة هذا الاختيار. فعندما خرج أبو يزيد صاحب الحمار على الفاطميين في إفريقية، اضطربت مدن كثيرة، وصارت المهدية ملجأً صعب المنال. لم تكن المدينة مجرد زخرفة بحرية، بل حصنًا سياسيًا. من داخلها أمكن للدولة أن تصمد حتى تجاوزت أخطر ثوراتها الأولى.

ثم انتقل مركز الفاطميين لاحقًا إلى مصر بعد تأسيس القاهرة، لكن المهدية بقيت تحمل أثر المرحلة الأولى: مرحلة الدولة التي كانت تبحث عن أمانها وهي تثبت سلطانها. المدينة هنا لم تولد من اتساع مطمئن، بل من خوف محسوب، ومن فهم أن البحر قد يكون سورًا مثل الحجر.

المصادر:
البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري
العبر وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون
كتاب المسالك والممالك للبكري