العودة إلى القصص

عسقلان… الساحل الذي خافه صلاح الدين على بيت المقدس

  • الفترة التاريخية سنة 587هـ / 1191م، زمن الحملة الصليبية الثالثة
  • المكان عسقلان، فلسطين

مدينة ساحلية لم تُترك لقيمتها، بل هُدمت لأن بقاءها كان خطرًا على الداخل.

نص القصة

كانت عسقلان من مدن الساحل الكبرى في جنوب فلسطين، قريبة من الطريق المؤدي إلى بيت المقدس ومصر. ومن يملكها يستطيع أن يجعلها بابًا عسكريًا يضغط به على الداخل، خصوصًا إذا جاءت الأساطيل من البحر. لذلك لم تكن عسقلان عند صلاح الدين مجرد مدينة ساحلية، بل عقدة خطيرة بين البحر والقدس ومصر.

بعد فتح بيت المقدس واشتداد الحرب مع الحملة الصليبية الثالثة، صار الساحل مرة أخرى مسرحًا للصراع. تقدم الفرنج بقيادة ريتشارد، وتعرضت البلاد لضغط شديد. كان صلاح الدين يدرك أن المدن الساحلية المحصنة إذا وقعت في يد العدو صارت قواعد ثابتة لا مجرد نقاط عابرة. ومن هنا جاء القرار الصعب بشأن عسقلان.

تذكر المصادر أن صلاح الدين أمر بتخريب عسقلان حتى لا ينتفع بها الفرنج إذا أخذوها، وكان ذلك من أشد القرارات على نفسه وعلى الناس. فالمدينة العامرة إذا هُدمت لا تضيع حجارتها فقط؛ يضيع معها سوق وبيوت وذكريات أهل. لكن حساب الحرب كان قاسيًا: ترك المدينة قائمة قد يفتح الطريق إلى بيت المقدس ويجعل الساحل خنجرًا دائمًا في خاصرة الدولة الأيوبية.

أُخرج الناس، وخُربت الأسوار والمواضع التي ينتفع بها العدو. لم يكن التخريب هنا من فوضى النهب، بل من سياسة عسكرية دفاعية. كان صلاح الدين يوازن بين خسارة مدينة وبين خطر أكبر على القدس ومصر. وفي أخبار ابن شداد وأبي شامة يظهر ثقل تلك الأيام، وكيف كان السلطان يتحرك بين حماية الداخل ومقاومة الفرنج على الساحل.

بقيت عسقلان في الذاكرة مثالًا على القرار الذي لا يشبه النصر المباشر. لم تكن كل قصة مدينة تنتهي بدخول فاتح إليها؛ أحيانًا تنتهي القصة بهدم الأسوار حتى لا يدخلها العدو. وفي تلك اللحظة كان الساحل نفسه جزءًا من معركة بيت المقدس، لا مجرد خط على البحر.

المصادر:
النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد
الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة
الكامل في التاريخ لابن الأثير