العودة إلى القصص

بيت المقدس… اليوم الذي عاد فيه صلاح الدين إلى المدينة

  • الفترة التاريخية سنة 583هـ / 1187م، العصر الأيوبي بعد معركة حطين
  • المكان بيت المقدس، فلسطين

مدينة فتحت أبوابها بعد حصار قصير، لكن أثره بقي طويلًا في ذاكرة الشرق والغرب.

نص القصة

بعد معركة حطين لم يعد الطريق إلى بيت المقدس كما كان. انكسرت القوة الصليبية الكبرى في الشام، وسقط كثير من الأمراء والأسرى في يد صلاح الدين، وصارت المدن الساحلية والداخلية تنظر إلى مصيرها وهي تعرف أن ميزان القوة تبدل. كان بيت المقدس في قلب ذلك كله؛ مدينة لها مكانة عظيمة عند المسلمين والنصارى، وفيها من الرموز ما يجعل دخولها حدثًا يتجاوز السياسة والحرب.

تحرك صلاح الدين نحو المدينة بعدما أخذ عددًا من الحصون والبلاد، ولم يكن يريد أن يجعلها خرابًا إن أمكنه ذلك. حاصرها، وكان داخلها من المقاتلة والسكان من اجتمعوا بعد الهزيمة الكبرى. تولى الدفاع عنها باليان بن بارزان، وقد أدرك أن المدينة لا تستطيع احتمال حصار طويل إذا اشتد القتال ودخل السيف بين الناس. لذلك تحولت أيام الحصار إلى مفاوضة صعبة: قوة منتصرة خارج الأسوار، ومدينة خائفة داخلها، ومحاولة لتجنب قتل واسع لا يعرف أحد أين ينتهي.

تذكر المصادر أن أهل المدينة صالحوا صلاح الدين على مال يؤدونه، وأنه أمّن من خرج بالفداء، ووقع الكلام فيمن عجز عن أداء المال. وفي أخبار ابن شداد وأبي شامة يظهر حرص السلطان على ضبط الدخول ومنع الفوضى، بخلاف ما وقع عند دخول الصليبيين للمدينة قبل ذلك بقرون. لم يكن المشهد عودة عسكرية فقط، بل إعادة ترتيب للمدينة بعد فتحها: تسلم المفاتيح، تنظيم خروج من خرج، وإعادة المساجد والمواضع الإسلامية إلى حالها.

دخل صلاح الدين بيت المقدس في سنة 583هـ، وارتبط دخوله بما وقع بعده من تنظيف المسجد الأقصى والصخرة مما أحدثه الفرنج، وإقامة الجمعة والخطبة، وإعادة المدينة إلى الحكم الإسلامي. لم تنته الأخطار بعد ذلك؛ فالساحل بقي مضطربًا، والحملة الصليبية الثالثة جاءت لاحقًا بقوة، لكن بيت المقدس نفسه خرج من يد الصليبيين في ذلك العام، وصار فتحه أحد أعظم أحداث الدولة الأيوبية.

كان الحدث في جوهره انتقال مدينة من يد إلى يد بعد صراع طويل، لكنه لم يكن مجرد انتصار على سور. المدينة التي دخلت في ذاكرة الفتح الأول عادت في عصر صلاح الدين إلى موقعها السياسي والديني، وظل اسمها مرتبطًا بحطين وما بعدها، وباللحظة التي أُغلقت فيها صفحة مملكة القدس الصليبية داخل المدينة نفسها.

المصادر:
الكامل في التاريخ لابن الأثير
الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة
النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد