العودة إلى القصص

المدائن… يوم فُتح باب كسرى

  • الفترة التاريخية سنة 16هـ / 637م، عصر الخلافة الراشدة
  • المكان المدائن، العراق

قصر عظيم تركه أصحابه، وجيش صغير دخل منه إلى ذاكرة الإمبراطوريات.

نص القصة

كانت المدائن أكثر من مدينة على ضفة دجلة. كانت صورة الدولة الساسانية وهي تجلس في عاصمتها القديمة، وبين قصورها ودواوينها وإيوان كسرى كانت هيبة فارس تظهر كأنها لا تزول. لكن أخبار القادسية كانت قد وصلت قبل الجيوش، ومعها بدأ ميزان القوة يتحرك ببطء نحو نهاية لا يريد أهل المدائن تصديقها.

تقدم سعد بن أبي وقاص وجنده بعد القادسية، وكانت الطريق إلى المدائن ليست طريقًا إلى سور فحسب، بل إلى قلب ملك عريق. كان الفرس قد انسحبوا أمام الضغط، وحمل يزدجرد ما استطاع حمله، وبقيت المدينة بما فيها من قصور وخزائن وأثر دولة كانت تحكم العراق وما حوله. لم يكن دخول المدائن دخولًا هادئًا؛ فقد كان دجلة عائقًا حاضرًا، والماء بين الجيش والمدينة كأنه آخر خط دفاع قبل سقوط القلب.

تذكر كتب الفتوح أن المسلمين عبروا دجلة في مشهد بقي حاضرًا في الأخبار، ثم دخلوا المدائن بعد أن أخلاها كثير من أهلها وجندها. وحين وصل الداخلون إلى الإيوان والقصور، لم يجدوا مجرد بيوت ملكية، بل وجدوا آثار دولة هائلة: فرش، وسلاح، وأموال، وأمتعة لا تشبه ما اعتاده العرب في حياتهم الأولى. كان المشهد صادمًا؛ مدينة عظيمة تُترك لمن جاء من الصحراء بعد سنوات قليلة من بدء حركة الفتح.

في تلك اللحظة لم تسقط حجارة المدائن وحدها، بل سقط معنى قديم من معاني الهيبة. فالمدينة التي كانت رمزًا لمركزية فارس صارت خبرًا في كتب المسلمين، وصار إيوان كسرى شاهدًا على انتقال القوة من دولة أنهكها الصراع الداخلي والحروب الطويلة إلى دولة جديدة تتحرك بسرعة وثقة.

ومع أن المدائن لم تتحول إلى عاصمة دائمة للمسلمين كما صارت الكوفة والبصرة لاحقًا، فإن فتحها بقي علامة فاصلة. بعد المدائن لم تعد الحرب على أطراف العراق، بل صار الباب مفتوحًا إلى عمق فارس، وصار هروب يزدجرد عنوانًا لمرحلة طويلة من التفكك الساساني. بقي الإيوان واقفًا بعد ذلك قرونًا، لا بوصفه قصرًا يحكم منه كسرى، بل بوصفه أثرًا صامتًا على يوم دخلت الجيوش عاصمة كانت تظن أن ماء دجلة وقصور الملك يكفيان لحمايتها.

المصادر:
تاريخ الطبري
فتوح البلدان للبلاذري
الكامل في التاريخ لابن الأثير