العودة إلى القصص

القيروان… المدينة التي بدأت من وادٍ تخافه الوحوش

  • الفترة التاريخية العصر الأموي، نحو سنة 50 هـ / القرن الأول الهجري
  • المكان القيروان، إفريقية، تونس اليوم

نص القصة

لم تكن القيروان في بدايتها مدينةً لها أبواب وأسواق ومساجد. كانت موضعًا بريًا قاسيًا، غيضةً كثيرة الشجر، تأوي إليها السباع والحيات والعقارب. مكانًا لا يختاره الناس للسكن، ولا يطمئن فيه جيش يريد أن يستقر.

لكن عقبة بن نافع لم يكن يبحث عن مكان مريح. كان يبحث عن قاعدة.

كانت إفريقية بعيدة، والفتح فيها لا يثبت بالغزوة العابرة. يدخل الجيش، ينتصر، ثم إذا عاد إلى مصر اضطربت البلاد من جديد. لذلك احتاج المسلمون إلى موضع يقيمون فيه، يخرجون منه للفتح، ويرجعون إليه إذا انتهت الغزاة. مدينة لا تكون للراحة فقط، بل للثبات.

يذكر البلاذري في فتوح البلدان أن عقبة بن نافع فُوّض إلى المغرب، فغزا إفريقية في عشرة آلاف من المسلمين، وافتتحها، ثم اختط قيروانها. وكان موضعها غيضةً فيها طرفاء وشجر، لا تُرام من كثرة السباع والحيات والعقارب. ثم يذكر أن عقبة بنى، وبنى الناس معه الدور والمساكن، وبنى المسجد الجامع بها.

هنا تبدأ القصة الحقيقية: رجل يقف أمام أرض لا تصلح للسكن، ثم يقرر أن يجعلها مدينة.

لم تكن القيروان مجرد بيوت. كانت إعلانًا سياسيًا وعسكريًا: لن يبقى الوجود الإسلامي في المغرب مرورًا عابرًا. صار هناك مركز، ومأوى، ومسجد، وسوق، ومكان تجتمع فيه الجيوش. المدينة هنا ليست زخرفة حضارية؛ المدينة أداة بقاء.

وتنقل المصادر رواية مشهورة أن عقبة وقف على موضع القيروان وقال لأهل الوادي أن يرحلوا، فخرجت الدواب والهوام من تحت الشجر والحجارة، ثم قال: انزلوا باسم الله. هذه الرواية ذكرها خليفة بن خياط، ونقلها من بعده أهل التاريخ. أتعامل معها كرواية تاريخية مشهورة في المصادر، لا كواقعة حسية نزيد عليها من عندنا.

بعدها تغيّر الوادي. المكان الذي كان مخيفًا صار مأهولًا. ظهرت الدور، ثم المسجد، ثم تجمع الناس. لم تعد القيروان موضعًا في البرية؛ صارت مركزًا يتحرك منه التاريخ غربًا.

وهذا هو سر القيروان: لم تُبنَ لأنها أجمل مكان، بل لأنها كانت المكان اللازم. المدن العظيمة لا تولد دائمًا من الرفاهية. أحيانًا تولد من الخوف، ومن الحاجة، ومن قرار عسكري بارد يقول: هنا يجب أن نبقى.

ومن ذلك الموضع الصعب خرجت مدينة ستصير لاحقًا من أعظم حواضر المغرب الإسلامي، ومركزًا للعلم والفقه واللغة. لكن بدايتها لم تكن كتبًا ومدارس. بدايتها كانت قائدًا، وجيشًا، ووادياً لا يسكنه الناس، ثم قرارًا غيّر وجه البلاد.

‏📚المصادر
................................................................

المصدر الأساسي: فتوح البلدان للبلاذري، باب فتح إفريقية، وفيه ذكر فتح عقبة لإفريقية، واختطاط القيروان، وطبيعة موضعها، وبناء الدور والمساكن والمسجد الجامع.

مصدر تاريخي مساعد: تاريخ خليفة بن خياط، ونقله في خبر سنة 50 هـ أن معاوية وجّه عقبة بن نافع إلى إفريقية، فخط القيروان وأقام بها.