العودة إلى القصص

واسط… المدينة التي بناها الحجاج بين نارين

  • الفترة التاريخية نحو سنة 83–86هـ / 702–705م، العصر الأموي
  • المكان واسط، العراق

مدينة وُلدت من خوف السلطة من اضطراب الكوفة والبصرة.

نص القصة

لم تظهر واسط بوصفها مدينة طبيعية نمت حول سوق أو نهر أو مقام قديم. ظهرت أولًا كفكرة في ذهن والٍ شديد الحذر، يعرف أن العراق لا يُحكم بسهولة، وأن الكوفة والبصرة كانتا أعظم من أن تكونا مجرد مدينتين تابعتين. كانتا مركزين للجند والقبائل والرأي والاضطراب، وفيهما من القوة الاجتماعية ما يجعل الوالي تحت عين الناس لا فوقهم.

كان الحجاج بن يوسف قد تولى العراق في زمن عبد الملك بن مروان، فوجد نفسه بين مدينتين لا تطمئن لهما السلطة الأموية: الكوفة من جهة، والبصرة من جهة. كل واحدة منهما لها رجالها، وجندها، وأخبارها، وعصبياتها. ولم يكن الحجاج رجلًا يترك مركز حكمه في موضع يتحكم الناس في مزاجه وحركته. احتاج إلى مكان جديد، لا هو كوفي ولا بصري، ولا يغلب عليه أهل مدينة بعينها.

من هنا جاء اختيار الموضع الذي سُمّي واسطًا؛ لأنه يقع بين الكوفة والبصرة تقريبًا. الاسم نفسه يكشف معنى المدينة: مدينة في الوسط، لكنها لم تكن وسطًا جغرافيًا فقط، بل وسطًا سياسيًا بين قوتين. أراد الحجاج أن يجعل له مقرًا يحكم منه العراق، ويجمع فيه جنده، ويبعد عن ضغط المدن القديمة، ويملك طريقه إلى المشرق وإلى سواد العراق.

بدأ البناء في أرض قريبة من دجلة، وأقيمت الدور والأسواق والمسجد ودار الإمارة. لم تكن المدينة مجرد مساكن للناس، بل معسكر حكم. الجند حاضرون، والديوان حاضر، والوالي حاضر. المدينة صُممت لتخدم الإدارة والقوة قبل أن تخدم الرفاه. ولذلك ظل ذكر واسط في كتب البلدان مرتبطًا بالحجاج وباختياره وبالمسافة التي جعلتها بين الكوفة والبصرة.

ومع الزمن خرجت واسط من كونها مقرًا للحجاج وحده. سكنها الناس، وظهرت فيها الأسواق، وصارت لها طبقة من العلماء والرواة والكتاب، ودخلت في جغرافية العراق الكبرى. لكن أصلها بقي واضحًا في الذاكرة: مدينة بناها رجل يريد أن يبتعد عن المدن التي لا يثق بها، وأن يصنع لنفسه مركزًا لا ينازعه فيه مزاج أهل الكوفة ولا أهل البصرة.

ولذلك لا تُفهم واسط إذا قُرئت كمدينة عادية. هي وثيقة عمرانية عن طبيعة الحكم في العراق الأموي: حين تخاف السلطة من المدن القديمة، تبني مدينة جديدة.

المصادر:
معجم البلدان لياقوت الحموي
تاريخ الطبري
الكامل في التاريخ لابن الأثير