العودة إلى القصص

الزهراء… المدينة التي بناها الناصر ثم أكلتها الفتنة

  • الفترة التاريخية 325–400هـ تقريبًا / 936–1010م، عصر الخلافة الأموية في الأندلس ثم الفتنة
  • المكان مدينة الزهراء، قرب قرطبة، الأندلس، إسبانيا اليوم

مدينة قصور وملك ظهرت كأنها لا تزول، ثم صارت خرابًا في زمن الفتنة.

نص القصة

بنى عبد الرحمن الناصر مدينة الزهراء قرب قرطبة في زمن بلغت فيه الدولة الأموية في الأندلس أوج قوتها. لم تكن الزهراء حيًا جديدًا فحسب، بل مدينة ملكية كاملة، أرادها الناصر وجهًا ظاهرًا للخلافة التي أعلنها في الأندلس. فيها القصور والدواوين ومجالس الوفود، ومنها تُعرض هيبة الدولة على الداخل والخارج.

اختيار الموضع قرب قرطبة لم يكن عشوائيًا. فالمدينة الجديدة قريبة من العاصمة الكبرى، لكنها منفصلة بما يكفي لتكون مسرحًا للسلطان. من يدخل الزهراء لا يدخل سوقًا عاديًا، بل يدخل صورة منظمة للملك: مبانٍ، حدائق، استقبال، طبقات من الحرس والخدم والكتاب. هكذا كانت العمارة تتحول إلى لغة سياسية.

استمرت الزهراء في زمن الحكم المستنصر ثم في المراحل التالية شاهدة على ثراء الدولة وتنظيمها. لكن المدن التي تُبنى بقوة الدولة تتأثر بسرعة حين تنكسر تلك القوة. ومع دخول الأندلس في الفتنة في أوائل القرن الخامس الهجري، انقلبت الموازين. ضعف مركز الحكم، وتصارعت القوى، وتعرضت قرطبة وما حولها للنهب والاضطراب.

في تلك الفتنة أصاب الزهراء الخراب. المدينة التي كانت تستقبل الوفود وتعرض مجد الخلافة لم تعد قادرة على حماية حجارتها. نُهبت قصورها، وتفرقت زخارفها، وتحولت من مكان للهيبة إلى أثر على سقوط النظام الذي أنشأها. لم تهدم الزهراء لأنها ضعيفة في بنائها، بل لأن الدولة التي كانت تمنحها معنى وحماية انهارت من داخلها.

بقيت أطلالها بعد ذلك دليلًا على مفارقة الأندلس: قدرة مذهلة على البناء والفن والسياسة، وقابلية قاسية للتمزق حين تتفكك السلطة. الزهراء لذلك ليست قصة قصر جميل فقط، بل قصة مدينة ملكية صنعتها لحظة قوة، ثم ابتلعتها لحظة فوضى.

المصادر:
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري
البيان المغرب لابن عذاري
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان