العودة إلى القصص

الزاهرة… مدينة المنصور التي ابتلعتها فتنة قرطبة

  • الفترة التاريخية 368هـ / 978م إلى 399هـ / 1009م، أواخر الدولة الأموية في الأندلس
  • المكان قرب قرطبة، الأندلس

مدينة قوة بناها الحاجب المنصور، فلما انكسرت السلطة انكسر عمرانها معها.

نص القصة

في أواخر القرن الرابع الهجري لم تكن قرطبة وحدها تكفي للحاجب المنصور بن أبي عامر. كان الرجل يحكم باسم الخلافة الأموية، لكن سلطته الفعلية صارت واسعة حتى احتاج إلى مدينة تعكس هذا التحول. فبنى الزاهرة قرب قرطبة، وجعلها مقرًا لإدارته وقصوره وحرسه ودواوينه، كأنها عاصمة داخل عاصمة.

كان بناء الزاهرة إعلانًا غير مباشر عن مركز جديد للسلطان. انتقلت إليها وجوه الدولة، واستقرت فيها مرافق الحكم، وصارت القصور والدواوين والحرس يدورون حول رجل واحد. لم تكن الزاهرة مدينة عامة نشأت ببطء من سوق ومسجد، بل مدينة سلطة نمت بسرعة حول الحاجب الأقوى في الأندلس. لذلك ارتبط بريقها ببريق المنصور، وارتبط مصيرها بمصير الدولة العامرية.

بعد وفاة المنصور ثم ابنه المظفر اضطربت قرطبة، واشتدت الفتنة بين البيوت والفرق والطامعين في الحكم. في تلك الفوضى صارت الزاهرة رمزًا مكروهًا عند خصوم بني عامر. لم تُعامل كمدينة محايدة، بل كصورة للسلطة التي أراد الناس إسقاطها. فهوجمت ونُهبت وخُربت، وتبدد عمرانها حتى لم يبق من شهرتها إلا ما حفظته كتب الأخبار.

لم تسقط الزاهرة لأنها ضعفت وحدها، بل لأنها كانت مدينة ملتصقة برجل ونظام. حين اختفت القوة التي تحميها، تحولت قصورها من موضع هيبة إلى غنيمة، ومن دار حكم إلى أثر من آثار الفتنة. وبقيت قرطبة بعد ذلك تدخل زمنًا جديدًا، بينما خرجت الزاهرة من التاريخ كما دخلته: بسرعة شديدة.

المصادر:
البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري
أعمال الأعلام لابن الخطيب