العودة إلى القصص

عكّا ونابليون… الحصار الذي كسر حلم الشرق

  • الفترة التاريخية سنة 1213هـ / 1799م، العصر العثماني في الشام
  • المكان عكّا، فلسطين

مدينة ساحلية صغيرة جعلت جيش نابليون يقف عند سور لا يستطيع تجاوزه.

نص القصة

بعد أن دخل نابليون مصر، لم يرد أن يبقى محصورًا في وادي النيل. تقدم إلى الشام، فدخل غزة ويافا، ثم وقف أمام عكّا. كانت المدينة الساحلية تبدو في ظاهرها أصغر من طموح الحملة، لكنها كانت في موقع يجعلها عقدة الطريق شمالًا؛ إذا سقطت انفتح باب الشام، وإذا صمدت صار الجيش الفرنسي بعيدًا عن قواعده ومحاصرًا بالمرض والوقت والبحر.

بدأ الحصار، ووجد الفرنسيون أن عكّا ليست جدارًا وحده. كان في داخلها أحمد باشا الجزار، وكان إلى جانبه من يعينه على الدفاع والتنظيم، كما لعب الأسطول البريطاني بقيادة سيدني سميث دورًا مهمًا في قطع الإمداد البحري الفرنسي والاستيلاء على بعض أدوات الحصار. صارت المدينة الصغيرة تجمع أطراف صراع دولي: عثمانيون ومحليون وفرنسيون وبريطانيون على ساحل واحد.

توالت الهجمات على الأسوار. كان الفرنسيون يفتحون ثغرات، ثم يجدون الدفاع مستعدًا خلفها. ومع طول الحصار انتشر المرض وتعب الجيش، ولم تعد الاندفاعة التي حملت نابليون من الإسكندرية إلى يافا كافية لدفعه عبر عكّا. المدينة لم تنتصر لأنها كانت أجمل أو أكبر، بل لأنها صمدت في اللحظة التي كان فيها الوقت عدوًا للفرنسيين.

بعد أسابيع من المحاولة، رفع نابليون الحصار وعاد جنوبًا. لم يكن الانسحاب نهاية حملته في المشرق فحسب، بل نهاية مشروع أوسع كان يمكن أن يغير موقعه في الشام والأناضول. عكّا بهذا المعنى لم تكن مجرد مدينة نجت من الاحتلال، بل نقطة توقفت عندها خريطة طموح كامل.

في الذاكرة التاريخية بقيت عكّا مرتبطة بهذا الحصار لأنها أظهرت أن الجيش الذي أرعب مدنًا كثيرة يمكن أن يُكسر أمام سور إذا اجتمعت المقاومة والبحر والمرض وسوء الإمداد. وعلى شاطئها انطفأ جزء من حلم نابليون الشرقي، ثم عاد إلى مصر يحمل انتصارًا ناقصًا وجيشًا أنهكه الطريق.

المصادر:
عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي
تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر لعبد الرحمن الرافعي
The Campaigns of Napoleon لديفيد تشاندلر