العودة إلى القصص

ثورة الزنج… المدينة السوداء قرب البصرة

  • الفترة التاريخية 255–270هـ / 869–883م، العصر العباسي
  • المكان نواحي البصرة والأهواز، العراق

تمرد طويل صنع له مدينة وسلطة قبل أن تطفئه جيوش العباسيين.

نص القصة

في منتصف القرن الثالث الهجري ظهرت في نواحي البصرة واحدة من أخطر الثورات التي واجهت الدولة العباسية: ثورة الزنج. لم تكن اضطرابًا عابرًا في قرية أو خروجًا محدودًا، بل حركة امتدت سنوات طويلة، واستغلت أوضاع العاملين في السباخ والأراضي القاسية قرب البصرة.

قاد الثورة علي بن محمد، واستطاع أن يجمع حوله أعدادًا كبيرة من الزنج وغيرهم من الساخطين. كانت البصرة وما حولها منطقة غنية لكنها شديدة التفاوت، وفي أطرافها أعمال مرهقة ومستنقعات وسباخ. وجد التمرد في هذه البيئة فرصة للانتشار، ثم تحول من حركة هجوم إلى سلطة لها مواقعها وتنظيمها.

أنشأ الثائرون مدينة أو مركزًا سمي المختارة، وصارت لهم منه غارات وسيطرة على نواحٍ واسعة. تعرضت البصرة نفسها لهجوم شديد، ووقعت فيها أحداث قاسية حفظتها كتب التاريخ. ولم تعد الدولة تنظر إلى الأمر كفتنة محلية، بل كخطر يهدد جنوب العراق وطرق المال والغذاء.

طالت الحرب، وتعبت الدولة في مواجهتها. أُرسلت الجيوش، وتولى الموفق العباسي، أخو الخليفة المعتمد، قيادة الجهد الأكبر ضد الثورة. كان القتال حول الأنهار والمستنقعات صعبًا، لأن الأرض نفسها كانت تساعد الثائرين، وتمنحهم مواضع دفاع ومناورة.

شيئًا فشيئًا ضاق الخناق على المختارة. قطعت الدولة الإمداد، واستعادت المواضع، ودفعت قوات الزنج إلى الداخل. ثم وقع الهجوم الأخير، فقُتل علي بن محمد، وانتهت الثورة سنة 270هـ بعد نحو خمسة عشر عامًا من القتال والخراب.

تكشف هذه القصة جانبًا خشنًا من تاريخ المدن: حين تظهر مدينة متمردة داخل الجغرافيا الصعبة، فإنها قد تهدد عاصمة الدولة واقتصادها أكثر مما تفعل بعض الجيوش الخارجية. وكانت المختارة قرب البصرة مثالًا على مدينة صنعتها الثورة، ثم انتهت بانتهاء قوتها.

المصادر:
تاريخ الطبري
الكامل في التاريخ لابن الأثير
البداية والنهاية لابن كثير
The Zanj Rebellion by Alexandre Popović