العودة إلى القصص

القيروان… مدينة خرجت من غيضة الوحوش

  • الفترة التاريخية نحو 50هـ / 670م، العصر الأموي
  • المكان القيروان، إفريقية، تونس اليوم

وادي قاسٍ تحوّل إلى قاعدة غيّرت تاريخ المغرب الإسلامي.

نص القصة

لم تكن القيروان عند بدايتها مدينة مأهولة تنتظر من يرفع شأنها. كانت موضعًا صعبًا في إفريقية، غيضة كثيرة الشجر، تُذكر في المصادر مع السباع والحيات والعقارب. ومع ذلك اختارها عقبة بن نافع لأنها كانت تصلح لغرض لا تقوم به الغزوات العابرة: تثبيت الوجود وبناء قاعدة دائمة.

كانت إفريقية بعيدة عن مصر، والجيش إذا خرج ثم عاد ترك وراءه أرضًا قد تضطرب من جديد. لذلك احتاج الفتح إلى مركز يقيم فيه المسلمون، وتخرج منه السرايا، وترجع إليه إذا انتهت الحركة. لم تكن القيروان مدينة للزينة، بل قاعدة عسكرية وسياسية في أرض تحتاج إلى استقرار.

تذكر المصادر أن عقبة اختط القيروان، وبنى فيها الناس الدور والمساكن، وبُني المسجد الجامع. هذا يعني أن القصة لم تكن قرارًا لحظيًا فقط، بل بداية عمران منظم. فالمسجد كان مركز الجماعة، والدور كانت علامة الاستقرار، والموضع نفسه صار نقطة رجوع للجند بعد أن كان أرضًا موحشة.

تروى أخبار مشهورة عن إخلاء الموضع من الهوام والدواب قبل البناء. وهذه الروايات ترد في كتب التاريخ، ويُتعامل معها في سياق ما نقله المؤرخون عن رهبة المكان قبل عمارته. المؤكد في أصل القصة أن القيروان قامت في موضع صعب، وأن بناءها كان جزءًا من سياسة تثبيت الفتح في إفريقية.

ومع الزمن، تغير وجه المدينة. ما كان غيضة مخيفة صار عمرانًا. جاءت القبائل والجند والتجار، ثم صارت القيروان من أعظم حواضر الغرب الإسلامي. ولم تبقَ شهرتها في الجند وحدهم، بل اتسعت للعلم والفقه واللغة، حتى صار اسمها حاضرًا في تاريخ المغرب كما حضر اسم بغداد في المشرق.

ولدت القيروان من قرار عملي: لا يكفي أن تنتصر في الأرض، بل يجب أن يكون لك فيها موضع ثابت. لذلك بقيت قصة تأسيسها مثالًا على أن المدن الكبرى قد تبدأ من الخوف والحاجة، ثم تصير بعد ذلك مركزًا للعلم والحضارة.

المصادر:
فتوح البلدان للبلاذري
الكامل في التاريخ لابن الأثير
البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري
تاريخ خليفة بن خياط