العودة إلى القصص

سامراء… العاصمة التي بُنيت حين ضاقت بغداد بجندها

  • الفترة التاريخية سنة 221هـ / 836م، العصر العباسي الثاني
  • المكان سامراء، العراق

مدينة وُلدت من أزمة داخل العاصمة، ثم صارت مقرًا للخلفاء والجند والقصور.

نص القصة

لم تكن سامراء في بدايتها مدينةً كبرى تنافس بغداد، بل كانت موضعًا على دجلة اختاره الخليفة المعتصم حين صارت بغداد تضيق بجنده. كان الجند الأتراك قد كثروا في عاصمة العباسيين، واختلطوا بالناس في الأسواق والدروب، وحدثت بينهم وبين أهل بغداد خصومات وشكايات. ولم يكن المعتصم يريد أن يخسر جنده، ولا أن يترك العاصمة تغلي كل يوم بسبب احتكاك الناس بالعسكر.

بدأ القرار من مشكلة عملية واضحة: المدينة القديمة لم تعد تحتمل قوة عسكرية جديدة داخل أزقتها. فخرج المعتصم يبحث عن موضع يقيم فيه جنده ويجعل فيه دار خلافته. وقع اختياره على موضع سامراء، قريبًا من دجلة، متسع الأرض، صالحًا لأن تُمد فيه الشوارع والقطائع، وأن يُفصل فيه الجند عن أهل بغداد.

تحولت الأرض المفتوحة إلى مشروع دولة. اختطت المواضع، ونزلت القطائع، وارتفعت القصور والدواوين، وجُعل لكل جماعة موضعها. لم تكن سامراء مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى؛ كانت محاولة لإعادة ترتيب علاقة الخلافة بجيشها. في بغداد كان الجند داخل النسيج الشعبي القديم، أما في سامراء فصاروا في مدينة صُنعت لهم وللسلطة التي تعتمد عليهم.

ومع السنين صارت سامراء دار الخلافة العباسية، وفيها تعاقب خلفاء، وبُنيت قصور ضخمة، واتسعت العمارة على ضفة دجلة. غير أن المدينة التي ولدت لحل مشكلة القوة العسكرية حملت داخلها المشكلة نفسها. فالجند الذين أُبعدوا عن بغداد صاروا في قلب القرار بسامراء، وأصبح قربهم من الخليفة عنصر قوة وخطر معًا.

بقي اسم سامراء شاهدًا على لحظة تحوّل في الدولة العباسية: حين لم تعد العاصمة القديمة قادرة على استيعاب تغيّر الجيش والسلطة، فاختار الخليفة أن يبني عاصمة جديدة بدل أن يترك الاحتكاك يلتهم بغداد.

المصادر:
تاريخ الطبري
مروج الذهب للمسعودي
معجم البلدان لياقوت الحموي