العودة إلى القصص

بغداد… اليوم الذي انطفأت فيه عاصمة العباسيين

  • الفترة التاريخية سنة 656هـ / 1258م، أواخر العصر العباسي في بغداد
  • المكان بغداد، العراق

مدينة عظيمة دخلت يومها في امتحان لم تخرج منه كما كانت.

نص القصة

كانت بغداد في أوائل سنة 656هـ تحمل اسمًا أكبر من قدرتها على الدفاع عنه. لم تكن مدينة مجهولة على طرف الخريطة، بل دار الخلافة العباسية، وموضع القصور والدواوين والأسواق والعلماء. غير أن المدينة التي عاشت قرونًا في قلب العالم الإسلامي كانت قد دخلت زمن الضعف؛ قلّ الجند، واضطرب التدبير، وصار اسم الخلافة أوسع من قوتها الواقعية.

نزلت جيوش المغول على بغداد بقيادة هولاكو، ولم يكن الحصار حادثة عابرة. أحاطت الجيوش بالمدينة، ونُصبت آلات الحرب، وبدأت بغداد تدافع عن نفسها وهي تعرف أن الخطر هذه المرة ليس غارة تنتهي بانسحاب. كان وراء الأسوار خليفة وقضاة وأعيان وجند قليل، وخارجها قوة عسكرية جاءت بعد أن أخضعت مدنًا كثيرة في المشرق.

اشتد الحصار، وبدأت المدينة تضيق على أهلها. كان الناس يسمعون أخبار تقدم المغول قبل أن يروهم، فلما وصلت الجيوش صار الخوف حاضرًا في الأزقة والبيوت. حاولت بغداد أن تصمد، لكن الدفاع كان أضعف من الزحف. وكلما طال الحصار ظهر الفارق بين مدينة أنهكها التراخي السياسي، وجيش جاء يحمل خبرة قاسية في إسقاط المدن.

خرج الخليفة المستعصم بالله إلى هولاكو في جماعة من أعيان دولته، أملاً في إنهاء الأمر أو تخفيف المصيبة. غير أن الخروج لم يكن بداية صلح ثابت، بل كان بداية النهاية. تفرّق من خرجوا، وقُتل كثير منهم، ثم دخل المغول المدينة، وبدأت أيام ثقيلة في تاريخ بغداد. لم تعد الأسوار تفصل الناس عن العاصفة، ولم تعد الدور حصونًا لأصحابها.

انتشر القتل والنهب، واختبأ الناس حيث استطاعوا: في البيوت المغلقة، والمواضع الخفية، والآبار، والخانات. لكن المدينة إذا سقطت لا تمنح أهلها سترًا طويلًا. أُخرج الناس من مخابئهم، وتعرضت بغداد لخراب شديد، حتى وصف المؤرخون حالها بعد ذلك بأنها صارت كأنها مدينة خلت من أهلها بعد أن كانت من أعمر المدن.

قُتل المستعصم بالله، وانتهت بقتله الخلافة العباسية في بغداد. لم يكن سقوطها سقوط رجل وحده، بل سقوط مركز سياسي عاش زمنًا طويلًا. وبقيت بغداد بعد ذلك تحمل الندبة الكبرى: مدينة كانت عاصمة العالم، ثم صارت شاهدًا على أن الدول قد تنهار من داخلها قبل أن يفتح العدو أبوابها.

المصادر:
البداية والنهاية لابن كثير
الكامل في التاريخ لابن الأثير
الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة