العودة إلى القصص

المهدية… مدينة البحر التي احتمى بها الفاطميون

  • الفترة التاريخية نحو سنة 303هـ / 916م، العصر الفاطمي بإفريقية
  • المكان المهدية، تونس

عاصمة ساحلية بُنيت لتقاوم البحر والخصوم معًا.

نص القصة

لم تكن المهدية مدينة عادية على الساحل. كان اختيارها إعلانًا عن طبيعة الدولة الفاطمية في إفريقية: دولة تريد عاصمة محصنة، قريبة من البحر، قادرة على الصمود أمام الخصوم وعلى الاتصال بعالم المتوسط. لم يكن البحر منظرًا جميلًا في القصة، بل جزءًا من الحساب السياسي والعسكري.

بنى عبيد الله المهدي المهدية على موضع بحري حصين، وجعلها مقرًا لدولته. كانت إفريقية يومها مسرحًا لقوى كثيرة: مدن قديمة، قبائل، خصوم سياسيون، ومنافسة على طرق التجارة والساحل. احتاج المهدي إلى مدينة لا تكون مكشوفة في الداخل، ولا بعيدة عن البحر. فكانت المهدية أشبه بحصن عاصمة، لا عاصمة مفتوحة.

تذكر المصادر أن المدينة شُيدت بعناية، وأقيمت فيها الأسوار والأبواب والمرافق، وصارت مقرًا للخلافة الفاطمية قبل انتقال مركز الدولة لاحقًا إلى مصر. هذا يعني أن المهدية لم تكن مرحلة هامشية؛ كانت القاعدة التي ثبّت منها الفاطميون حكمهم في الغرب، ومنها نظروا إلى المتوسط ومصر والمشرق.

قوة المهدية كانت في موضعها، لكن موضعها نفسه كان يحمل قلقًا دائمًا. المدينة الساحلية ترى الخطر قادمًا من البر والبحر. ولذلك ارتبطت أخبارها بالتحصين والحصار والمنافسة. لم يكن أهلها يعيشون في مدينة داخلية مطمئنة؛ كانوا في عاصمة تضع عينًا على اليابسة وعينًا على السفن.

ثم تغير التاريخ عندما انتقل الفاطميون إلى مصر وأسسوا القاهرة. لم يلغِ ذلك أهمية المهدية، لكنه بدّل دورها. صارت المدينة التي كانت مركز الدولة الأولى جزءًا من ذاكرة فاطمية أوسع. وبقي عمرانها وأسوارها واسمها شاهدًا على مرحلة أراد فيها مؤسسو الدولة أن يجعلوا البحر سندًا للسلطة لا خطرًا فقط.

قصة المهدية تظهر أن المدن الساحلية الكبرى لا تُبنى للزينة وحدها. هي موانئ وحصون ومخازن وساحات نفوذ. ومن يقرأ خبرها في كتب التاريخ يرى أن المدينة كانت جوابًا على سؤال صعب: كيف تبني دولة جديدة عاصمة تستطيع أن تقاوم الداخل، وتفتح عينها على البحر؟

المصادر:
البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري
اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا للمقريزي
تاريخ ابن خلدون